مركز التنوير الأسري

الألباب الذين عملوا وجاه

2 دقائق
لا مناص من أن فريضة الصيام، من المنظور الصوفي، تحمل دلالاتٍ وأبعادًا سامية شكّلت الأثر الروحي للصيام وتأثيره في الجوارح الحسية والمعنوية؛ فهي فريضة كونية ربانية تعرج بها النفس الطاهرة إلى حضرة الله، وترتقي بها إلى مراتب السلوك العرفاني، من خلال صوم القلب عن الآفات والغفلات، وحفظ الجوارح الحسية والمعنوية من الوقوع في الزلات والمعاصي، ورياضة النفس وطهارتها، وتضعيفها وكسر شهواتها، حتى يتحقق المريد بمقام التوبة والتقوى والإخلاص لله، والمحبة له، والخشية منه، وتستوي بذلك سريرته بعلانيته. قال مطرف رحمه الله:(إذا استوت سريرة العبد وعلانيته، قال الله عز وجل: هذا عبدي حقًّا)[1]. ولم يكن مراد الصوفية من صيام رمضان الانقطاع عن الأكل والشرب من طلوع الشمس إلى غروبها فحسب، بل كان مقصودهم الصوم عما سوى الله، والامتناع عن المفطرات المعنوية، وترك كل ما يشغل القلب عن التقرب إلى حضرة الله. ومبتغاهم الأوحد نظر الحبيب إليهم لشدة شوقهم إليه، وذاك مناهم في السر والعلن؛ ولأجل ذلك خصّهم برحمته، لأنهم عظّموا هذه الفريضة الربانية التي شرّفها الله وتكفّل بثوابها وجزائها الخاص. فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يقول الله عز وجل: (كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصَّوْمَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، وَلَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ)[2] فالصوم في عرفهم هو التجرد من المعاصي القلبية، والتحرر من شهوات النفس، والامتناع عن كل ما يغضب الله جلّت قدرته. فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه)[3]. ولذلك أصبحت فريضة الصيام عندهم منبعًا طاهرًا لأولي الألباب الذين عملوا وجاه